أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
101
العقد الفريد
قال : وجعلت لا أنازعها في شيء إجلالا لها ، فلما أمسينا وصلينا المغرب وجاءت العشاء الأخيرة ، وضعت القضيب ، فقمت فصليت العشاء وما أدري كم صليت ، عجلة وشوقا ؛ فلما صليت قلت : تأذنين جعلت فداك في الدنوّ منك ؟ قالت : تجرّد ! وأشارت إلى ثيابها كأنها تريد أن تتجرّد ؛ فكدت أن أشق ثيابي عجلة للخروج منها ؛ فتجرّدت وقمت بين يديها مكفّرا لها ؛ قالت : امض إلى زاوية البيت وأقبل وأدبر ، حتى أراك مقبلا ومدبرا . قال : وإذا حصير في الغرفة ، عليه طريق إلى زاوية البيت ، فخطرت عليه ، وإذا تحته خرق « 1 » إلى السوق ، فإذا أنا في السوق قائما مجرّدا منعظا « 2 » ! وإذا الشيخان الشاهدان قد أعدا لي نعالهما ، وكمنا لي في ناحية ، فلما هبطت عليهما بادرا إليّ فقطعا نعالهما « 3 » على قفاي ، واستعانا بأهل السوق ؛ فضربت واللَّه يا أبا محمد حتى نسيت اسمي ؛ فبينا أنا أضرب بنعال مخصوفة وأيد شديدة ، إذا صوت يغنّي به من فوق البيت ، وهو : ولو علم المجرّد ما أردنا * لحاربنا المجرّد بالصحاري فقلت في نفسي : هذا واللَّه وقت هذا البيت ! فنجوت إلى رحلي وما فيّ عظم صحيح ؛ فسألت عنها فقيل لي : إنها امرأة من آل أبي لهب ! فقلت : لعنها اللَّه ولعن الذي هي منه ! يوم دارة جلجل قال الفرزدق : أصابنا بالبصرة ليلا مطر جود ، فلما أصبحت ركبت بغلتي وسرت إلى المربد ، فإذا أنا بآثار دواب وقد خرجت إلى ناحية البرية ، فظننت أنهم قوم خرجوا للنزهة ، وهم خلقاء أن يكون معهم سفرة ، فاتبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغال عليهم رحائل موقوفة على غدير ، فأسرعت إلى الغدير ، فإذا فيه نسوة
--> ( 1 ) الخرق : الثقب في الحائط أو غيره . ( 2 ) المنعظ : الذي نعظ ذكره ، اي قام وانتشر . ( 3 ) النعال المخصوفة : التي خرزت بالمخصف ، وهو المخرز .